التخرج الطويل .. تلك عشرة كاملة

2010 – 2020 .. تلك عشرة كاملة
.
يوم دخلت إلى الجامعة الأولى التي مررت عليها [جامعة الأسكندرية] لم أكن أعلم لمَ دخلت على وجه التفصيل. كنت أعلم فقط أنني أحب الرياضيات -ولمّا يزل حبي لها- فالهندسة تناسبني إذا. ولما تخرجت من جامعتي الرابعة بعد عشرة أعوام كاملة من دخولي لجامعتي الأولى لم يكن خروجي خروجًا من الجامعة، وإنما كان مرورًا ضمن رحلة طويلة [جدًا] دخلتها دون ترتيب، وما تخيلت في أحلامي يومًا أني سادخلها.
رحلة امتدت في كل شيء، وكانت الهندسة على الهامش. امتدت بين الناس والبلدان والأماكن والحكايات والأصدقاء والأوطان والقصص والتجارب والصحبة والكتب والمجالس الطويلة والقصيرة والأحاديث والقلم ومحبة الأكل الشهي ومنظر البحر مع الأفق المفتوح.

في سنة تخرجي من الجامعة كنت أنظر إلى اهتمامات الشباب في الدفعة وأبتسم. فما شيء منها يُشبهني، رغم أننا رفقاء دراسة، وقد كنت مثلهم في يوم من الأيام. [سوى اهتمامات إسلام صاحب الثلاث عيال معنا في الدفعة فكان بيننا تقارب في الاهتمام] فهذا خائف على درجة في الإمتحان، وآخر ينصحني بالاجتهاد للحصول على ماجستير لدرسة الهندسة في دولة متقدمة كألمانيا : ) ، وثالث لا يتحدث إلا عن تتبعه لفرص العمل في السنين القادمة للمهندسين. بينما الفقير ينظر إليهم من المستقبل -من غير تكبر ولا عُلو ولا نصائح أبوية- وأشاركهم الحديث، وأحاول أن أزلل لهم السبل إن استطعت، بينما أكتفي في الإخبار عن نفسي وطموحي بقولي “ليش شغفي – سيبك مني – حكايتي طويلة – كملوا أنتوا بس”
.
لا أدري من مِن رفاق الرحلة أحق بالذكر مِن مَن؟ وأي البلدان أحق بالذكر مِن من؟ وأي التجارب أنفع للإنسان من أي؟.

أما الرفاق، فهل أكتب عن الرفيق الذي ترافقنا في غرفة واحدة لما ضاقت بنا ذات اليد ولم نملك إيجار سريرين، وكيف كان العيش المشترك مرهقًا ثم صار ذكرى للعمر. أم عن الرفيق الذي جمعتنا أشهى المطاعم وأجمل المناظر بعد عيش مضني لشهور وأيام؟ أم عن الرفيق الذي كان ملجئ الشكوى ومحل النجوى؟ أم على الرفيق الذي تذكرنا في عيد ميلادنا لسنين متتالية بعزومة السمك التي نُحب؟ أم مكالمات الراحلين كمهند رضوان الله عليه؟ أم هذا الآخر الذي ما تقابلنا إلا وأعطى كل منا ما في يديه واعتذر، يخفي صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا. الحمد لله ربنا على ما أنعمت، كم يقل شكرنا عن نعمك، ويزيد سخطنا حال بلائك، وكل بلائك عافية. كثيرًا ما قلت بيني وبيني أنني لم أُرزق عائلة كبيرة ممتدة؛ لكنني رُزقت -والحمد لله- عائلة أوسع عددًا وأرحب حالًا من ذوي الأرحام، وسبحان مقسم الأرزاق.

يا مَن يُذَكِّرُني بِعَهدِ أَحِبَّتي

طابَ الحَديثُ بِذِكرِهِم وَيَطيبُ

أَعِدِ الحَديثَ عَليَّ مِن جَنَباتِهِ

إِنَّ الحَديثَ عَنِ الحَبيبِ حَبيبُ

مَلأَ الضُلوعَ وَفاضَ عَن أَحنائِها

قَلبٌ إِذا ذُكِرَ الحَبيبُ يَذوبُ

ما زالَ يَضرِبُ خافِقاً بِجَناحِهِ

يا لَيتَ شِعري هَل تَطير قُلوبُ
.
أما عن البلدان، فعن أي شيء أكتب؟ عن العشق السكندري الأول؟ عن صخر لوران، ولسان جليم قبل إغلاقه، والمنشية وطلتها، وكامب شيزار ومشهدها، أم المنتزة وجمالها؟ أي شيء أقول في مدينة مُتيم أنا في حبها، قد أخذت مني في فترة من حياتي كما أخذت ليلى من قيس! ولو أني أقسمت أني أعلم عامة تفاصيلها ومضايقها مثل جوجل ماب وربما أفضل في مواطنها الشهيرة لما حنثت. كم لنا فيها من ذكرى، وكم تآخينا فيها مع أحبة [قفا نبكي من ذكرى حبيب وموئل]. وكما قالوا [نقل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحُب إلا للحبيب الأول. كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه دومًا لأول منزل]. حتى بغضي لأوروبا استحال حلاوة في المدن التي شابهت بلدتنا. فأصبحت إيطاليا فاتنة لشبهها بفاتنتنا الأولى.
لا يجمعني بذكرى ميلانو غير ذكرتين. أولهما أن محبيتي لها عريقة لقربها من ثغرنا الجميل روحًا وشكلًا وهواء. وثانيهما ذكرى اختلال الطائرة التي كادت أن تسقوط بنا فوق مطارها لولا لطف الله وصياح الرُكاب “يا رب” ل 45 د متصلة، والحمد لله الذي أَمدّ في العمر، ونسأله البرّ في العمل.

أم أذكر ألمانيا -التي بت أحن لزيارتها دون شوق لها ولا محبة- وما كان فيها مما لست أذكره، فظن شرًا ولا تسأل عن الخبر. ناصية الجمال [التي لقبناها بناصبة البؤس] في فيلمدورف بشتوتغارت، وشباب المنصورة والقاهرة، أجمل من عرفنا في هذه البلدة. وبرلين وضواحيها، وبيوت الأصدقاء التي استقبلتنا، والمكتبات التي آوتنا وكان فيها سولى لنا، والشدة التي لحقت بنا فكنا نأوي للحدائق حتى باتت بيني وبين شكل الأشجار في حقائق وحشة. أم نذكر أرض العثمانين، موطن البسفور، والبلدة الطيبة المباركة التي فيها من كل لون وشكل، حرس الله نُزلائها وجعل الخير جاري فيها، ونفع بجهود الباذلين لأمتهم.
.
أما عن التجارب، فكيف المبدأ والنتهي؟! ماذا عن الأمل واليأس والتجربة والحظ والأمل والحب والبغض. ماذا عن العمل الشاق المضني لساعات طويلة لا تتمنى فيها غير رؤية السرير. في مصنع المعدن، أو في إصلاح الخدوش في ظهر السيارات، أو في غيرها من المشاق التي جُمعنا فيها وكان فيها مشقتها خير العاقبة والحمد لله. وماذا عن اختلاس الساعة تلو الساعة في القراءة أو التدريب على الكتابة ومحاولة البحث والسعي المعرفة؟ وماذا عن الأمور التي عظمناها في النفوس، فلما بعدنا لم نجدها شيء. كيف نُسطر تجربة، وفي كل مشهد منها ألف حكاية ضمنية؟ هل يمكن لسطر أن يُجمد مشهد متحرك صاخب الحركة؟!
.
في العام الدراسي الأخير [والذي هو أخير من 5 سنوات مضت] أتممت الإمتحانات العشرين الباقين في عام واحد، ولم تتوقف الحياة برهة، إذ أصحبت الإمتحانات هامش على متن الحياة الكبيرة. والحمد لله الذي مَنّ بكرمه، وحصلت على ورقة -لها أهميتها في الوجدان- تأخرت لكنها باتت هامش على متن حياة أرحب.
.
هذا ليس تأريخًا بإتمام شهادة جامعية -والحمد لله على التمام- وإنما هي ثرثرة [مُحب] لَفحه هواء البسفور، وهاجت الذكرى في نفسه، فأحب أن يكتب في السراء كما بث بعض الحزن في الضراء -غفر الله له- وأرد أن يتذاكر نِعم ربه عليه تترى، سواء رأها أو غابت عنه، وكم تغيب مشاهدة عنا النعم ونحن نتذكر ما يؤرقنا على فراش النوم -رغم تفاهة الحياة وما يؤرقنا فيها- فيأكلنا الحزن ويشعل نفوسنا الحرص الذي هو طبع الإنسان، عن رؤية الإمداد والآلاء والإنعام في هذه الدنيا.
حياة قصيرة، موقن أننا لم نراها كما هي بعد، لكني أرجو أن تكون حافلة، وأن يرزقني الله الصبر والجلد ولا يسلبني مشاعر الخير والرضوان والرضا. ونرجو من المعين الإعانة، وأن يجعلها في سبيله، وعلى مراده وطريقه، وألا يُنسينا بماجريات الأيام ما خُلقنا له، وما شرفنا بالانتساب إليه. ولعل في العمر مستدرك لجبر النقص، وتلافي العيب، وحسن المسير.
.
محمد فتوح – من اسكندرية
إسكودار – الأستانة/إسطنبول – 14 محرم 1442 – 2 سبتمبر 2020

67٬123 تعليق

محمد فتوح ٠٠ [إنسان] من الأسكندرية.
نقش بالحروف، بمنأى عن الصخب..

Instagram

Invalid username or token.