عاشوراء والعيد – انتمائنا بين نبينا موسى وديار الكافرين.

في يوم عاشوراء معنى من معاني “والدين ما شرعت، والأمر أمرك، والعبد عبدك”. فهذا يوم كان اليهود يصومونه في المدينة، فيأتي رسول الله ويخبرنا بأن هذا اليوم هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى، فيوصينا بصيامه، ويقول “نحن أحق بموسى منهم” ونحن نمتثل. ثم هناك عشرات الأعياد الأخرى التي كانت للعرب قبل الإسلام، فلا يحتفل رسول الله بواحد منها، وينهى من نذر الذبح في مكان كان يُذبح فيه للأوثان في أعياد الجاهلية خشية التلبس بأديان غير الإسلام، ونحن أيضا نمتثل. ونتتمي لموسى ويومه مع فرعون، ونتبرأ من أيام الجاهلية سواء كانت في قديم أو حديث.
 
أمة واحدة، من آدم لمحمد، مرورًا بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأخر مسلم يقول [الله الله] في الأرض، وإلى قيام الساعة. أمة تضرب في عمق التاريخ، ولا تحدها جغرافيا ولا تفرقها لغة، وإن بقيت التمايزات الاجتماعية بين الشعوب كما هي. وهذا هو المعنى بأن الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، فالأمة فيما جاءت به الأنبياء ليست جماعات متخيلة بتاريخ مختلق أو حقيقي داخل بقعة جغرافية معينة كما يعلمنا بندرسون في حديثه عن نشأة القوميات، وإنما هي انتساب عابر للزمان والمكان والجغرافيا. وهي تجعلنا ننتمي لموسى عليه السلام، وينتمي له نبينا ويحث أتباعه على الانتماء إليه، والبراءة من فرعون وحزبه، ونتوارث هذا الانتماء جيلًا بعد جيل. وهو المعنى ذاته الذي يجعلنا لا نُقيم مقامًا ولا وزنًا لأعياد وأيام ما لنا بها من شأن، ولا تقع داخل دائرة انتمائتنا من قريب أو بعيد، فنتبرأ من عيد يُصلى فيه لغير الله وإن أُقيم بين شوارعنا.
 
ولعل معاني الأممية في الأعياد والمناسبات تلك كانت من أَجلّ المعاني التي بت استحضرها بعد إقامتي فترة سابقة في أوروبا مثل يوم الفطر ويوم الأضحى ورمضان والأيام العظيمة التي شرع الله إحيائها كيوم عرفة وعاشوراء ويوم الجمعة. أو الأيام التي تواطئ المسلمون على تذكرها سواء على سبيل الذكرى والعادة مثل مطلع السنة الهجرية ومولد سيدنا رسول الله ونحوها من الأيام التي تخص أهل الإسلام. “بصرف النظر عن الخلاف الفقهي فيما تفاصيل التعاطي مع آحادها وما يُحتفل به منها وبأي كيفية”
 
والحقيقة أن هذا المعنى من الولاء للأمة والذي أنشأته الأعياد كان سببه شيء أخر غير هذه الأعياد ذاتهاـ وكان هذا الشيء هو كثرة أيام/أعياد القوم هناك [كنت أعيش وقتها في ولاية بادنفوتنبرج حيث تكثير الأعياد في الجنوب الألماني مقارنة بالشمال] وبالتالي يتم إجبارك على الإحتفال بهذه الأيام أو على الأقل الشعو بها بالإجازة والراحة. رغم أنك لا تدري شيئا عن هذه المناسبة، أو هذا العيد. ولا تعلم لم يصنع الناس الحلوى في الشارع ولِمَ تتغير فيه الأرض.
 
ثم في أعيادنا/أيامنا نحن أهل الإسلام [سيما العيدين ورمضان ويوم الجمعة] فلا شيء يتغير، لا بهجة للجمعة، ولا صيام في رمضان، لا إحتفال بعيد من الأعياد، سوى على استحياء من بقايا المسلمين الذين يتجمعون لصلاة العيد في الصباح إن استطاعوا التغيب من العمل.
 
وهذا المعنى من تبدل معاني العيد من أشق ما يقع للمسلمين العالمين لدينهم في هذه الديار، وهو أشد من إلف منظر الخمر. إذ الثاني يألفه الإنسان ويعلم أنه مُحرم وكبيرة، ويُذكر ليل نهار بأنه كبيرة. أما إلف مثل هذه الأعياد ونسيان عيده، فهو إلف وانخراط في شيء يُضيع إنتماءه “وإذا تبين هذا فلا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشويق للعيد والسرور به والاهتمام بأمره، اتفاقا واجتماعات وراحة، ولذ وسرورًا، وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به”[1] وهذا الحال -وأمثاله من المعاني الهُوياتية- من أشد ما يُخاف فيه على أولاد المسلمين هناك، مع ما يحدث من إحساس الفتور عن الرغبة في الأعياد الأصلية، وانخفاض حُرمة العيد في القلوب.
لذا كان العيد وما على منواله من الأيام المباركة يمر على المسلمين في بلاد غير المسلمين على نحو أشق ما يكون، ومن جرب يعرف ذلك جيدًا. فعموم الناس في هذه البلاد لا تحسب حسابا لهذه الساعات المباركات في تلك البلاد. ويتحول ميقات العطلة نفسه والعيد، ويحل “الأحد” بديلًا عن الجمعة، إذ يستروح الناس فيه، ويتخففوا من الأعباء والمهام، ويتزاورون أو يخرجون للتنزه كما يفعل المسلمون في بلدانهم في يوم الجمعة. أما المناسبات الإسلامية العامة مثل رمضان والعيدين وعاشوراء وغيرها من المناسبات فهو أيام كسائر الأيام في هذه البلدان لا معنى ورائها بكل أسف، ويصبح العبد تدريجيا هو الكريسميس والفصح واليوم الوطني الأوروبي، وكل عيد سوى العيد الذي تنتمي إليه. قال ابن تيمية “وأنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء -يعني الاحتفال بأعياد غير المسلمين وتناسي أعيادهم- ودخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيدًا. وحتى يضاهي بعيد الله، بل قد يزاد عليه، حتى يكاد أن يُفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر.”[2]
ولهذا السبب أكون حريصًا على التهنئة مبكرًا بالعيد لإخواني في هذه البلدان. وربما أهنئهم قبل الأهل والمعارف ممن هم في بلادنا، لأن حاجتهم إلى هذه التهنئة أوسع، ولا أحصي عدد المرات التي أرسلت التهنئة في هذه الأيام لأحد الأصدقاء المقيمين في هذه البلدان، ثم أردفها بمواساة؛ فيُجيبني بالحسرة والضيق بأنه لا يستشعر طعم العيد ولا معناه، وودّ لو استطاع أن يكون العيد بين أهله أو في بلد تتزين لاستقبال هذه الشعيرة العظيمة التي أمر النبي بإظهار الفرح فيهما.
وقد كان هذا المعنى من معاني الإنتماء لأعياد لا تنتمي إليها، وتنسلخ عن أعياد تنتمي إليها؛ من المعاني الشاقة جدًا على نفسي، وكنت اجتهد اجتهادًا أن أشهد العيد والجزء الأكبر من رمضان بين ظهراني المسلمين، فكانت أجازاتي لمصر في رمضان، وسفري في الأعياد لأسطنبول، وتكرر هذا لثلاثة أعوام والحمد لله.
 
والله يمتنعنا بمعاني الإنتماء للإسلام وأهله، ويجمعنا مع نبينا محمد وموسى وإبراهيم وعيسى ونوح عليهم السلام.
………….
[1] ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم، ص545
[2] السابق، ص531

7٬571 تعليق

محمد فتوح ٠٠ [إنسان] من الأسكندرية.
نقش بالحروف، بمنأى عن الصخب..

Instagram

Invalid username or token.