كلمة موجزة حول أهم أنواع برامج دراسات الشرق الأوسط والإسلام في أوروبا [ألمانيا بالخصوص].

لم ألتحق إلى هذه اللحظة ببرنامج منتظم لدراسات الشرق الأوسط في أوروبا، لكن هذه المعلومات هي خلاصات تكونت من قراءة على مدار الأربع سنوات الماضية في بنية برامج دراسات الشرق الأوسط والإسلام وبرامج دراسات المناهج العربية في ألمانيا بالخصوص، وحضور بعض المحاضرات في الجامعات هناك خصوصا جامعة برلين الحرة، وكذلك من سماع الأصدقاء الدارسين والعاملين في هذه الأقسام وفي كليات مختلفة ومتعددة في عدد من المدن أهمها برلين وتوبنغن وأوسنابرك، وكذلك من مناقشة بعض الأستاذة في هذه الأماكن.

من المعلوم لدى الدارسيين للإسلام في برامج الدراسات العليا داخل الجامعات الأوروبية أن الاستشراق بصورته التقلدية قد تلاشى وانتقسم تراثه بين عدة فروع معرفية مختلفة ولم يعد هذا المصطلح نفسه “Orientalism” حاضرًا بصورته التقليدية، وورثه مصطلحات وبرامج أخرى مستمدة من أدواته المعرفية في النهاية، لكنها أكثر تخصصية من جهة أخرى. وإن كانت هذه المصطلحات والبرامج تختلف من بلد لأخرى، أو من بيئة علمية لبيئة أخرى.

في ألمانيا -على سبيل المثال والدراية- فهناك برنامجان يعتبران وريثا الاستشراق القديم، وهما فرعي الدراسات الإسلامية والدراسات اللاهوتية.

– الفرع الأول يسمى بالـ islamwissenschaft أو Islamic studies أو الدراسات الإسلامية يُقصد به -في الغالب- دراسات الإسلام الفلكورية مثل دراسات المجتمعات، والأفكار، والتطورات التاريخية، والتغيرات الطارئة، وبعض الدراسات المقارنة بين المجتمعات المسلمة المختلفة في الشرق الأوسط وآسيا وتركيا ومصر والمغرب وسوريا إلخ، وكذلك برامج دراسات الحركات الإسلامية، ودراسة الشخصيات المؤثرة في عوالم المسلمين، وربما تطرقوا لدراسة الثورات والأحداث الجارية وعلاقة ذلك كله بالإسلام. وإذا أردنا التمثيل للمترجمات في هذه الحقول الدراسية، فهي أغلب الكتب المترجمة من الدراسات الغربية للعربية. مثل كتاب زمن الصحوة لاستيفان لاكروا أو كتاب آل بن لادن وعالم النفط أو حتى الكتب المتداخلة أكثر مع السيسولوجيا والمجتمعات الإسلامية مثل كتاب جمهورية الآداب أو استعادة الخلافة. وفي هذه البرامج يقل جدا من الدراسات هي التي تنفذ إلى دراسة الدين الإسلامي من حيث كونه دين.

– الفرع الثاني Islamic theologie أو Islamic theology أو اللاهوت الإسلامي [وإن كان ممكن تترجم كذلك لدراسات إسلامية باعتبار ما ستحتويه] وتحت هذا العنوان كل المعارف الشرعية. من علوم قرآن، وحديث، وفقه، ودراسات مقارنة بين السنة والشيعة، وعلم كلام، وفِرق ومذاهب، وشخصيات تراثية كلامية أو فقهية… إلخ. ومن أمثلته المترجمة للعربية بعض أبحاث جورج مقدسي عن الحنابلة مثلا، أو كتابات وائل حلاق عن الفقه وأصوله أو كتاب المرجع في علم الكلام وغيرها من الأبحاث. وفي هذه الدراسات تكون الدراسات الحديثة أو الفلكورية هي الطارئة والأصل دراسة الإسلام نفسه من حيث كونه دين. وإن اختلطت هذه الدراسات -كعادية الأوروبيين في هذا النمط من الدراسات- بتتبع تاريخانية الأحداث في المجتمعات القديمة والسياقات التي نشأت فيها.

وبين هذين الفرعيين برامج أخرى كثيرة ربما وُجد في بعضها بعض المواد التي يمكن إدراجها ضمن حزمة الدراسات إسلامية أو الاستشراقية لكن هذه المواد تكون في الغالب عرضًا لا أصلا في البرنامج. مثل أقسام فلسفة الأديان، وبرامج التاريخ غير الأوروبي [الأسيوي خصوصا]، وبعض الأقسام المختصة بموارد الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط وسياسات الشرق الأوسط [وهي برامج كثيرة] وتكون دراسة الإسلام هنا عرضية تماما في مادة واحدة مثلا أو مادتين على الأكثر.

ومن السمات الملحوظة أن أغلب الأكاديميين الغربيين مؤخرًا – من طلبة الماستر والدكتوراة – يميلون للنوع الأول من الدراسات عن النوع الثاني، وإن كان الثاني هو الأكثر صلةً بلا شك بالاستشراق بمعناه الكلاسيكي.

ومن باب التصوير فقط بين المجاليين والخريجيين منه – وإن كان الإطلاق غير دقيق – فالنوع الأول من الدراسات هو ما يُمكن أن نُطلق على صاحبه اسم [خبير] وهو الأكثر احتياجًا في سوق العمل الأوروبي سواء في الميديا أو الأحزاب أو المراكز البحثية وغيرها من منافد العمل. والنوع الثاني هو ما يُمكن أن نُطلق عليه لفظ [باحث في الدراسات الإسلامية نفسها / أو في الفقه … إلخ] .

 

بين هذين النمطين من الدراسة ثمة برامج من نمط ثالث بدأت في الأنتشار في الأعوام الماضية بكثافة، ويبدو أن الغلبة ستكون له في المستقبل، وهو ما يُسمى بـ “Area studies” أو دراسات المناطق، ونُدرس نحن بالطبع تحت مسمى دراسات الشرق الأوسط.

وبدايةً، ففي جامعات بلادنا فلاأعلم برنامجًا واحدًا متخصص في دراسات الشرق الأوسط على نمط برامج دراسات المناطق تلك إلا في مكان واحد وهو ” الكيان المحتل”. وهذا الكيان له باع طويل في الباب وسبق واسع بكل أسف. وعدد من البروفيسورات الإسرائليين من المرموقيين عالميا في المجال، وكورساتهم هي التي تُدرس على كورسيرا في دراسات الشرق الأوسط [كورس جامعة تل أبيب نموذجا ]، والمنح بين إسرائيل والأكاديميا الأوروبية عالية جدا، حتى لا تكاد تجد بروفيسور أوروبي في المجال إلا ذهب لهناك من انتعاش البيئة العلمية أو العكس.

[ربما يكون هناك برامج بنيتها كهذه في إيران أو تركيا باعتبارهما دولتان شرق أوسطيتان لكني لم استقص، أما بلداننا العربية فلا. والله أعلم].

كانت دراسات المناطق قديما محدودة لحد كبير. وكانت الجامعات الأوروبية تقتصر على برنامج عام. وبالكاد بالكاد بالكاد تتوسع الجامعات ذات الباع الاستشراقي لتقدم برنامجيين في الدراسات العربية أو الإسلامية [مثل جامعة Leiden الهولندية العريقة في الاستشراق، وجامعة إريفورت في ألمانيا، وأكسفورد في بريطانيا وإن كانت الدراسات الإسلامية تطورت فيها متأخرة عن غيرها].
في جامعة Leiden الهولندية مثلا هناك قسم دراسات شرق أوسط – وقسم دراسات إسلامية. وكل واحد من القسمين به برنامجين ماستر [ما يعادل 4 برامج] فضلا عن برنامجين للبكالريوس. ولا يحضرني إن هناك قسم مخصص فيها للدراسات العربية أم لا. لكنها جامعة ذات مكانة حقيقة في المجال بالتأكيد.

ومؤخرًا انتشرت جدًا هذه البرامج في عدد كبير من جامعات أوروبا وأصبحت تحت ما يُسمى بأقسام الـ “Area studies” وهي الدراسات التي تهتم بدراسة منطقة ما في العالم بشكل مركز جدًا جدًا. وطبعا منطقتنا المدروسة والمعنية هنا هي منطقة الشرق الأوسط. ففي جامعة Soas والتي تُمثل معقل التعدد الثقافي ودراسات ما بعد الكولونيالية في بريطانيا، فُتح في العام الماضي وحده 4 برامج جديدة في دراسات الشرق الأوسط!!! [لسانيات شرق أوسطية – تاريخ – دراسات عربية – دراسات إسلامية – برامج ميكس].

وفي الجامعة الأحب لنفسي على الإطلاق في ألمانيا [جامعة برلين الحرة] اُنشئ قسم لدراسات الشرق الأوسطية في 2018. وفي هذا العام ظهر قسم آخر عن المنظورات المختلفة للشرق الأوسط، وكلاهما بالإنجليزية. كل ذلك فضلا عن أقسام الجامعة القديمة في دراسات الشرق الأوسط في جامعة برلين الحرة كذلك. فالجامعة فيها عدد كبير جدًا من البرامج المختصة بالشرق الأوسط مقارنة بغيرها. مثل برنامج الدراسات الإسلامية في [بكالريوس وماستر]، وقسم الدراسات العربية [بكالريوس وماستر]، وقسم عن الدراسات اليهودية [بكالريوس وماستر]، وقسم الدراسات التركية [بكالريوس وماستر] فضلا عن أقسام الدراسات الأسيوية والفلسفية واللاهوتية، وكل هذ الأقسام تُدرس بالألمانية أصالةً ثم الإنجليزي لغة مساعدة والعربية والفارسية والتركية والعبرية كلغات إختصاص، وهو ما لا يُنافس برلين الحرة فيه جامعة أخرى في ألمانيا من هذا الانفتاح غير جامعة الـهومبولد في برلين أيضا.
[جامعة برلين الحرة يا دوووولة – ومركز دراسات تاريخ ثقافة وحضارة الشرق الأوسط جوه جامعة برلين الحرة يا مسيطر ].

وفيما يبدو – والله أعلم – إن موضوع دراسات المناطق دا هيكون له الغلبة الفترة الجاية، وكما انقسم الاستشراق لأقسام متعددة، فيبدو إن دراسات المناطق ستجمع الأقسام تلك مرة تانية لاسيما مع كثرة المواد الاختيارية فيها وتنوعها بين أقسام الدراسات الإسلامية وأقسام الدراسات اللاهوتية، وهو ما يتيح العبور عبر التخصصات الحديثة والرجوع إلى النمط الاستشراقي القديم كذلك لمن أراد. وكل ذلك فضلا عن مواد تاريخ التاريخ الإنسانية والعلوم الاجتماعية، والمواد التي تُدرسها هذه البرامج نفسها.

ومن باب الفائدة كذلك فإن المستشرق البريطاني الكلاسيكي الشهير (هاميلتون جيب) صاحب كتاب (الاتجاهات الحديثة في الإسلام) وتلميذ جولتسهير يعتبر ممن حاول الاهتمام بالمناطق وتاريخها بين المستشرفيين المرموقيين، وكان له سبق في ذلك، وإن لم تكن أقسام دراسات المناطق وتاريخها ظهرت للنور بهذا الشكل الحديث. يذكر ذلك ألبرت حوراني -وكان زميلًا لجيب في أكسفورد- فيقول “ولقد طُلب من جيب، أسوة بأبناء جيله من المستشرقين؛ أن يُدرَّس موضوعات متشعبة مثل اللغة والأدب والتاريخ -يقصد في أكسفورد- ، وكان ينظر إلى نفسه على أنه مؤرخ. ومن المشكلات التي واجهها في حياته في أكسفورد هو محاولة إقناع المؤرخيين بمزيد من الإهتمام بدراسات المناطق التي تقع خارج أوروبا، وبإعطائها ما كان يعتقد أنه المكان الصحيح لمناهج التدريس. ومن بين الأسباب التي جعلته يترك أكسفورد ويذهب إلى هارفارد اعتقاده بأن دوائر التاريخ في أمريكا ستكون أكثر قبولًا لفكرة التاريخ العالمي، وبأن الطلاب الجيدين، الذين تكونت عقولهم كمؤرخيين، يمكن إقناعهم بتكريس أنفسهم لدراسة العالم الإسلامي” اهـ [ألبرت حوراني – الإسلام في الفكر الأوروبي] .
والله تعالى أعلى وأعلم..

2٬679 تعليق

محمد فتوح ٠٠ [إنسان] من الأسكندرية.
نقش بالحروف، بمنأى عن الصخب..

Instagram

Invalid username or token.