استدعاء ابن تيمية – نظرة في الإشكالات، ومحاولة للترشيد..

كان استقبال أفكار ابن تيمية انتقائيا في كثير من الأحيان – جون هوفر
[1]
لا شك لدى المتابع بأن ابن تيمية هو أكثر العلماء استدعاءً بساحة الفكر الإسلامي في عصرنا الحديث. وليس الأمر في استدعاءات ابن تيمية مقتصرًا على الامتدادت الفكرية مع منهجه من مُحبيه، أو المخالفة المذهبية له من مخالفيه. فاستدعاء ابن تيمية يتجاوز هذه الأطروحة الضيقة، ويفرض ابن تيمية نفسه – بكارزماته – في مناحي كثيرة داخل عالم المسلمين الحديث. وقد أدى هذا الحضور الطاغي لابن تيمية إلى ما وصفه البعض بـ “رجل كل العصور”[1] وهو تعبير وإن كان فيه نظر من جهة أن لكل عصر مهامه ورجاله، إلا أن الواقع يصدق جزءً آخر منه، وهو أن ابن تيمية يعتبر الأكثر حضورًا من العلماء في عصرنًا. وبتعبير د. أحمد الريسوني: فـ ” ابن تيمية – وبلا منازع – هو مُجدد القرن الثامن […] بل أنا أزعم -الكلام للريسوني- شيئا آخر، وهو أن ابن تيمية هو مُجدد هذا العصر الذي نحن فيه! وأنا بتتبعي الطويل، وبحكم اختصاصي في التراث، والتعامل مع الرسائل الجامعية، والأطروحات العلمية، والحركات الإسلامية؛ أعرف أن ابن تيمية هو العالم الأكثر حضورًا الآن في العالم الإسلامي كله، وفي العالم العربي بصفة خاصة! هو أكثر حضورًا من الإمام مالك وأبي حنيفة، وأكثر تأثيرًا من الإمام أحمد والشاطبي، وابن العربي والغزالي” [2] وبصرف النظر عن تقيم هذه الكلمات، أو الموقف التفصيلي منها بالموافقة أو التحفظ، فإن القدر المشترك؛ أن ابن تيمية هو أحد أكثر القُدامى استدعاء في عصرنا الحديث، بل هو أكثرهم من حيث الشهرة والانتماء إليه، والتترس بأقواله.

[2]
يتنوع الاستدعاء لابن تيمية بين مدارس شتى. ما بين استدعاء جهادي، نشط مع جيل القاعدة خاصة، وهو الذي تم تسليط الضوء عليه بعد الحادي عشر من سبتمبر.
واستدعاء سلفي نخبوي ظهر على يد مدرسة المنار، وسلفيو الأزهر في مطلع القرن الماضي، والذي برزت معه أسماء مثل: العلامة أحمد باشا تيمور، وأحمد زكي باشا، والسيد رشيد رضا، والشيخ محمد شاكر، وولده أحمد شاكر بصفة خاصة، والشيخ عليّ يوسف، وحامد الفقي مؤسس أنصار السنة المحمدية، والشيخ عبد الرزاق حمزة، وعبد المجيد سليم، وعبد الظاهر أبو السمح خطيب المسجد الحرام، وعبد الوهاب عزام مؤسس الجامعة العربية، ومحمد فؤاد عبد الباقي صاحب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، ومصطفى مشرفة والد الفزيائي المصري الشهير علي مشرفة، وغيرهم من وجهاء الناس ونخبة المجتمع المصري في مطلع القرن الماضي. وقد أحصى الدكتور محمد يسري سلامة -رحمه الله- أسماء العديد منهم في مقدمة كتابه “مُعجم ما طُبع من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية”[3]. وهذا النوع من السلفية كان نخبويًا وذا طابع مختلف إلى حد ما عن السلفية المعاصر. ولم يكن الصراع الصوفي السلفي أو قضايا الصفات الإلهية هي الهم الشاغل لهذا التيار، ويمكن الوقوف على بعض سمات هذه الحقبة من السلفية النخبوية في مصر والشام في كتاب “صناعة السلفية – الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين” لهنري لوزيير.[4]
بجوار هذا الاستدعاء للشيخ، كان هناك استدعاء مشرقي آخر في القرن الماضي، لكنه خرج من الشام هذه المرة، وقلما يُسلط عليه الضوء لامتزاجه بالسلفية المصرية في مطلع القرن الماضي، وقدوم كثير من رموزه إلى مصر، وهو المتمثل في أسماء مثل: الشيخ محمد حسين الجسر، والعلامة طاهر الجزائري، والشيخ جمال الدين القاسمي، وعبدالرزاق البيطار، ومحب الدين الخطيب صاحب المطبعة السلفية والتي عملت على نشر بعض رسائل الشيخ، ورفيق العظم، ورشيد رضا صاحب المنار، وشكيب آرسلان، وغيرهم.[5] 
كل ذلك، فضلا عن الاستدعاء السلفي لابن تيمية في صورته الأشهر مع الحركة الوهابية في السعودية. فقد خرجت الكثير من الرسائل حول الشيخ من هذا التيار. وقد امتد هذا التيار في البلاد الإسلامية مع انحسار المد الناصري القومي فكان له الغلبة بالتوازي مع تيار الإسلام السياسي لاحقا، وقبل أن تتبدل أوضاع اللعبة. يقول وليد الهويريني “شكّلت السلفية المعاصرة مكوّنا رئيسيا في الحالة الإسلامية التي ملأت صدارة المجتمعات العربية مع بزوغ شمس الصحوة الإسلامية التي قامت على أنقاض المشروع القومي العربي في أواخر الستينيا ت”[6]
ثمة استدعاءات أخرى معاصرة لابن تيمية أقل شهرة في عالمنا العربي، مثل استدعاءات ابن تيمية في المحيط الأسيوي، وحركات الإصلاح السلفية – غير الوهابية في الجُملة – التي ظهرت في القرن الماضي في جنوب شرق آسيا، وكان لها اشتغال بالحديث خاصة، ومزجت الحديث بالسلفية بالتصوف. وممن اشتهر منهم في الشرق الشيخ ولي الدين الكندهلوي صاحب “حجة الله البالغة”، وإحسان إلهي ظهير، والسير أحمد عرفان، والسرهندي، والندوي، وغيرهم من عشرات العلماء في الهند وباكستان وبنجلاديش وكشمير وغيرها من البلدان.[7]
لم يتوقف استدعاء ابن تيمية في الفضاء العام المعاصر على الحركات الشعبية وإنما امتد إلى الاستدعاء الأكاديمي الغربي، والذي نشط بعد الحادي عشر من سبتمبر خاصة، وهو استدعاء له توجهات مختلفة، من أغراض علمية محضة، وأخرى تاريخية، واجتماعية، وسياسية، وبعضها أمني، أو حتى مخابراتي.[8]
ولم يخل الخطاب الحداثي الإسلامي كذلك من الاستدعاء -أحيانا- لابن تيمية مثل استدعاء “فضل الرحمن” للشيخ، أو ثناء بعض الأكاديميين غير المنتمين لمشروع الشيخ، مثل المغربي طه عبد الرحمن، وثناءه على جهد ابن تيمية في نقد المنطق الأرسطي، والإقرار له بالسبق في هذا المضمار.
وبالجملة فإن استدعاء ابن تيمية أصبح سمة بارزة في العصر الحديث بين عدد واسع من مدارس الفكر الإسلامي الحديث. والذي يزيد الأمر غرابة أن كل فريق حين يُلزم خصمه يُلزمه بكلام ابن تيمية ونصوصه فيما يخالف فيه صاحبه. فحين يُؤصل الجهادي لمذهبه فيؤصل هذا بفتاوى الشيخ، وحين يرد السلفي العلمي على السلفي الجهادي في مسائل العذر بالجهل فبكلام الشيخ أيضا، وحين يُرمى السلفيون بالتخلف عن مواكبة العصر من حداثيي المسلمين فيُورد عليهم نصوص من الشيخ. ومؤخرًا نشطت الأكاديمية الأوروبية في الاستدعاء لعبقرية ابن تيمية، بعدما كان يُتهم بضيق الأُفق. -حاشاه-
وكلٌ يدعي وصلًا بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذلك.
وهذا المعنى هو ما أشار إليه أحد أهم الغربيين المشتغلين بالشيخ -وهو جون هوفر – في مواضع من كتبه، وقال في موضع مُكثف بالعبارة: “كان استقبال أفكار ابن تيمية انتقائيا في كثير من الأحيان [ ثم تكلم على تلقي القدامى لكتابات الشيخ … ثم قال ] وفي العصر الحديث ألهمت كتابات بن تيمية حركات الإصلاح بأنواعها المختلفة. تلك الحركات التي تشمل الوهابية في المملكة العربية السعودية منذ القرن الثامن عشر فصاعدًا، ومبادرات الإصلاح السلفي في جنوب آسيا والعالم العربي، والتي بدأت في القرن التاسع عشر، والحركات السلفية العالمية المعاصرة الي نشأت في المملكة العربية في الستينات. وبالإضافة إلى السلفيين استند الحداثيون والإحيائيون إلى ابن تيمية لتقديم تصورات عن الإسلام منفتحة على العالم المعاصر، فكتب الحداثي الباكستاني فضل الرحمن – يقصد عن الشيخ-، ويتمسك الإحيائي يوسف القرضاوي في قطر بابن تيمية في البرجماتية السياسية البناءة في المجتمعات الديمقراطية والتعددية الإسلامية […] ختاما كان ابن تيمية خصبًا في أفكاره، ومستقطًيا خلال حياته، ولا يزال كذلك حتى اليوم” [9]

[3]
لا يمكن الادعاء بأن كل هذه الاستدعاءات المختلفة يُكمل بعضها بعضًا، فالحقيقة أن بعضها يُعارض بعضًا. وقد حدث قد كبير من التشوه في النظرة للشيخ نتيجية بعض هذه استدعاءات الخاطئة، والتي خرجت من الإسلاميين الحركيين تارة، أو من المشتغلين بتراثه أنفسهم تارة، أو بتشنيع خصومه تارات. والمُشاهَد أن مثل هذه الاستدعاءات كثيرًا ما كانت انتقائية وحديّة بحسب الصورة التي يُراد تقديمها عن ابن تيمية، حتى من الإسلاميين أنفسهم باختلاف مشاربهم. فالناس حالهم مع ابن تيمية أنه يتصوره بصورة معينة ثم يستدل عليها، وينتقي من حياته ومواقفه ما يؤيدها، لا أن يكتشف ابن تيمية كما كان هو. 
وقد صرح بهذا المعنى عددٌ من المشتغلين بشيخ الإسلام وتراثه بصورة واضحة، وهو ما يُنبئ عن إشكال حقيقي في بعض هذه الاستدعاءت التي يُستدعى فيها الشيخ.
يقول د محمد يسري سلامة: “ثم كثير من هؤلاء – يعني المشتغلين بتراث شيخ الإسلام – لا يشغلون بالهم باستخلاص منهجه، وتمثل طريقته في بحثه، وفي تقديره، وفي أحكامه. نعم، هم يُحبون اقتناء كُتبه وحيازتها ووضعها على أرفف مكاتبهم، ويفخرجون بالانتساب إليه، ويُنادون بالسير على نهجهه، واقتفاء أثره، ولا ينفكون يُطالعون كلامه بين حين وآخر، لكنهم لا يفعلون ذلك غالبا سوى لاقتطاع كلمة من هنا وهنالك، واقتباس نص من هنا أو من هنالك، يؤيدون به مقالة من المقالات، ويعضدون رأيّا من الآراء … إلخ كلامه النفيس”

ولا يقتصر هذا على الشأن العلمي وحسب، بل امتد للسلوك والوجدان، فقد أصبح ابن تيمية في أذهان البعض على الضد من معاني الإنسانية وإنا لله. وحسبنا هنا التجربة الشهيرة التي يحكيها الشيخ فريد الأنصاري مع نفسه حول الاستدعاء الخاطئ الذي صُور إليه حول الشيخ، والذي تلبس به فترة دون وعي، وقد وصف هذا بالاستدعاء التجزئي والاقصائي.

يقول الأنصاري: “فأما كونه تجزيئيا؛ فلأنه كان يقرؤه بعين واحدة […] فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية لا تصوره كثير من المصنفات المعاصرة -وهو يقصد مصنفات بعض مُحبي الشيخ لا مُبغضيه- إلا شخصا مقاتلًا محاربًا! متخصصا في تفصيل مذاهب أهل النار، دون مذاهب أهل الجنة! فكل من أراد أن يصمَ شخصا بصك الجحيم، ما عليه إلا أن يُخرج عليه سيف المقولة الشهيرة: “قال شيخ الإسلام ابن تيمية” وكأن ابن تيمية رحمه الله ما خلقه الله إلا للاستشهاد به على أهل الضلال وحسب، وكأنما تحولت نصوصه وفتاواه إلى مجرد صكوك إتهام، تُقرأ على الضحية عند تنفيذ حكم الإعدام! … أين ابن تيمية الداعية إلى الله؟! المربي؟! السالك إلى مولاه عبر منازل الخوف والرجاء؟ والشوق والمحبة، صاحب الأذواق الإيمانية والأحوال السُنية….”.

 
[4]
هل الصواب ألا يُستدعى ابن تيمية؟!
في الحقيقة هذا سؤال ساكن إلى حد كبير، والواقع بحركيته يتجاوزه بصورة شبه تامة الآن، لأن الواقع دوما ديناميكي ولا يتوقف كثيرًا عن الأسئلة الأستاتيكية الساكنة. والواقع أن ابن تيمية يعيش بكلامه في حياتنا ومن الصعب إقصائه عنها. ولئن أقسم الشيخ شهاب الدين أحمد بن مُريّ -وهو من تلاميذ شيخ الإسلام- حين ضُيق على أصحاب ابن تيمية بعد موته، ومُنعت كتبه، فقال: “والله – إن شاء الله – ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره – يقصد كلام شيخه ابن تيمية – ، وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه رجالًا هم الآن في أصلاب آبائهم” فلعل عصرنا هذا هو العصر الذي بُرّ فيه قسم ابن مُريّ بأوسع ما يكون البر.
وليس ثمة معنى بأن يُنادي بالتخلي عن الشيخ وتراثه في الوقت الذي لا يكاد يخلو فيه قطر من الأقطار من أناس بينهم وبين ابن تيمية وشائج صلة. فالشيخ أصبح – كما كان – محل تبجيل من كثيرين حول العالم، وزاد حضوره الأكاديمي بشكل ملحوظ. وذلك إذا صرفنا النظر عن الخلافات الصوفية الأشعرية السلفية مع الشيخ بصورة خاصة، واستعداء الأشعرية المعاصرة للشيخ بصورة عدائية لافتة. فتراث الشيخ أوسع من حصره في صورة واحدة، أو معركة واحدة من عشرات المعارك التي خاضها في حياته.
والذي يغلب على ظني أن استدعاء ابن تيمية لن يتوقف، بل سيزداد مع الأيام. وليست الأيام هي غد وبعد غدٍ، وإنما في السنين القادمة. إذ أصبح لابن تيمية حضورًا في الساحة الأكاديمية الغربية بصورة غير مسبوقة من قبل، وحُققت كتبه وملأت الدنيا من مطلع هذا القرن، ولا أشك أنه سيصبح الأكثر حضورًا على رأس الشخصيات في الأكاديميا الغربية في السنين القادمة، وإن خفت ذكره في أماكن أخرى بعد خفوت التيارات السلفية فيها، لكن بقايا جذوة ابن تيمية لن تنطفئ في السنين القادمة كما لم تنطفئ منذ مطلع القرن الماضي، وحضوره الأكاديمي كفيل بأن يُبقيه على رأس المُحتذى بهم من العلماء القُدامى في عصرنا!

[5]
وعلى هذا فيبدو السؤال الأكثر جدية من سؤال “هل الصواب أن نستدعي/لا نستدعي ابن تيمية في العصر المعاصر؟!” هو  سؤال “هل يمكن ترشيد هذا الاستدعاء الكثيف لابن تيمية؟!” 
برأيي أننا يُمكننا ذلك على جوانب عديدة، لكني لا استفيض في ذكرها هنا لضيق المقام والوقت من جهة، ولعدم تخصصي الدقيق في الشيخ بصورة تفصيلية من جهة أخرى، وإنما أوجه النظر إلى قضيتين كليتين للباحثين، ولعلهما في حاجة لمن يستثمرهما بصورة أوسع في قابل الأيام، ويطبقهما حول ابن تيمية وتراثه.
الأولى: هي الإحاطة بالفروق الجوهرية بين عصر شيخ الإسلام، وبين عصرنا، فلا تُنزل مقولات الشيخ على واقعنًا قسرًا، وإنما يُستمد من منطق الشيخ في معالجته لواقعه زمانه. فمما لا شك فيه أن من أسباب سوء استدعاء الشيخ في عصرنا هو الحرفيّة الشديدة في التعامل مع مواقف الشيخ، وعدم النظر للشيخ وأفعاله في سياقها التاريخي والاجتماعي.
فالنظرة إلى الدولة، والحكام، والبدع، والتحالفات السياسية، والتفصيل في أعيان الناس، والموقف من المخالف على مستويي التنظير والتطبيق، وأولويات العصر والعمل للدين؛ كل هذه الأمور مما اجتهد فيها الشيخ في زمانه، ولا يلزم أن تبقى بنفس أهميتها في زماننا! ولا يلزم أن تكون الدولة هي الدولة، ولا السياسة هي السياسة، والمعارك الفكرية هي هي. ومن أراد أن يكون تيميّا حقًا، فقبل أن ينقل من الكتب عن الشيخ، عليه ليستلهم اجتهاد الشيخ وعقله في زمانه، ويحاول تطبيقه في الزمان الحاضر بمتغيراته لا يمتغيرات الزمان القديم.
فالأصل أن تُستلهم العقلية التيّمية في شقها الاجتماعي والفكري – بجانب العقدي والشرعي – لا أن يُنحسب من واقعنا إلى واقع الشيخ دون وعي. فلو أن الشيخ بيننا لم أشك أنه سيقدم مسائل من الاشتغال على أخرى مما قد اشتغل بها سابقا.
ولا يُمكن فهم دوافع قول [حيّ] من أقوال ابن تيمية إلا بفهم البيئة التي خرجت فيها أقواله. [من الُكتب المفيدة في بعض بحوثها في تصوير هذا السياق كتاب ابن تيمية وعصره ليوسف ربويرت وشهاب أحمد، وترجمة د.محمد بوعبدالله، خصوصا ورقة “ابن تيمية وجماعته” لكاترينا بوري”]
وإلى هذا المعنى يُشير د. أحمد محمد في فكرة ذكية تُلخص هذه النقطة التي ندندن حولها بقوله: “على أن علاقة ابن تيمية بالدولة المملوكية كانت من التعقيد والتركيب بحيث يغدو مجانبًا للصواب اختزالها في حكم حَديّ قاطع يُصنف الشيخ تبعا له معاديًا للدولة بإطلاق أو مؤيدًالها بإطلاق. بل الصحيح أن ثمة مساحة بينية بين المعاداة والتأييد وقف فيها ابن تيمية، الأمر الذي سمح بمناصرة الدولة وتأييدها إذا وجد ما يُوجب النصرة والتأييد [غزو المغول] أو بمعارضتها معارضة بلغت حد العداوة إذا كان ثمة موقف يدعو إلى اتخاذ هاذ الموقف.] [11] وبعد هذا النقل يتحدث د. أحمد على عصر ابن تيمية نفسه وسماته ثم ينتقل إلى الشاهد الذي ندندن حوله وهو قوله: “ومن المؤسف حقًا أن هذا الاستدعاء الكثيف لابن تيمية في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر – وأعني [الكلام للدكتور] الخطاب الإصلاحي الحركي لا الفقهي ولا العقدي المحض- كان في الغالب تعوزه الدقة وينقصه البصيرة الحصيفة باختلاف السياقين الوسيط والحديث [يعني سياق عصر ابن تيمية وسياق عصرنا]، مهما بدا من أوجه تشابه ظاهرية، دفعت هؤلاء المتأثرين بابن تيمية إلى عقد مقارنات باطلة، وإجراء ألوان من قياس الحاضر على الماضي كان إثمها أكثر من نفعها.”
ويُمكن بالطبع الاستفادة من المناهج التاريخانية التي تدرس الأشخاص والأحداث في سياقها الاجتماعي والثقافي والزماني، وتمد وشائج الصلة بين الفكري والجغرافي والاجتماعي والسياسي وسائر ظروف البيئة المحيطة، حتى تخرج الدراسة في أقرب صورة واقعية وحقيقة لها. وقد نسجت كثير من الدراسات والأوراق الغربية في الفترة الأخيرة حول شيخ الإسلام بهذه المنهجية التاريخانية في التعامل مع الشيخ وعصره، وهو ما يُمكننا الفصل بين زمانه وزماننا المعاصر، ومحاولة مد وشائح صلة واعية.
الثاني: الإحاطة بشيخ الإسلام من جوانبه المتعددة والمختلفة، وتقديم الشيخ بحالاته المختلفة كما هو للناس، دون اجتزاء قول، أو رسم صورة خاصة لا تُمثل كامل أحوال ابن تيمية الذي ملأ الدنيا في دمشق والقاهرة وشغل الناس فيهما، ووصل صيته وصولاته وجولاته من القرن السابع والثامن حتى عصرنا الحديث. ولعل في هذا الموضوع تفصيل لاحق نذكره في تدوينة مستقلة.
.
واللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمنا وزدنا علمًا.
الأحد – 24 رمضان 1441هـ

هوامش:
[1] الشيخ محمد إسماعيل المقدم في سلسلته “رجل لكل العصور”.
[3] مُعجم ما طُبع من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية – محمد يسري سلامة.
[4] صناعة السلفية – الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين – لهنري لوزيير.
[5] راجع كتاب يسري سلامة المشار إليه.
[6] السلفية والوهابية – منتدى العلاقات الدولية.
[7]: يُمكن مراجعة مطبوعات دار بنارس الهند ومجلة صوت الأمة التي كانت تصدر عن الدار.
[8]: يُمكن تلمس بعض هذه الاستدعاءات من أراق السلفية العابرة للقارات في المؤتمر الذي عُقد في ليدن قبل الربيع العربي ونُشرت أوراقه في كتاب السلفية العالمية، تحرير روّل ميير، وطباعة الشبكة العربية.
[9] ابن تيمية حياته وعصره – جون هوفر.
[10] جمالية الدين – فريد الأنصاري.
[11] سجن ابن تيمية بين التاريخ والتأريخ – د. أحمد محمود.

14٬643 تعليق

محمد فتوح ٠٠ [إنسان] من الأسكندرية.
نقش بالحروف، بمنأى عن الصخب..

Instagram

Invalid username or token.