هياج الذكريات.. دون التذكر وفوق النسيان

هياج الذكريات، دون التذكر وفوق النسيان!

“قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما، وحظا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا”.

(1)
في طريقك وأنت تسير متعجلًا إلي غايتك، تَطْوي الخُطى بجِدٍّ وتسابق الزمان بعزمٍ تُصادف صديقا قديما من مدرستك العتيقة. سنوات مرت على أخر لقاءٍ بينكما وقد ظن كلٌ منكما أن لن يرى الآخر ثانيةً. تأتي اللُقيا – على قَدرٍ- بغير معاد بينكما، تتعانقا فينسى كل منكما سيره وغايته ويُجالس صاحبه ساعة. تتذاكران ذكريات الدرب.. تجيش الذكرى بينكما وكأن كل شيءٍ قد حدث من يوم أو يومين.. قد تلاشت السنوات بين يدي الذكريات.

يجبرك الزحام إلي طريق قديم وأزقة ضيقة.. قد نشأت في جنباتها صغيرًا ثم ترحلت عنها، كم كان سخيفا عليك أن تترك بيتا قد نشأت فيه. وها أنت لا تكاد تذكره إلا حين مرورك من تحت شرفتك القديمة التي سكنها الآن غيرك. تشعر أن بينك وبين الحجارة علاقة رمزية ولغةً تعبيرية يحفظها كل منكما. تفهمونها ولا يفهمها سواكما. تُبطئ في سيرك لتستنشق رائحة الشوارع، وتدقق في أسماء المَحال، ومساكن الأصدقاء التي ما عادوا يسكنوها. تتذكر كل شيء كأنك بالأمس كنت هنا. وأنت تخرج من منطقة الصِبا يغلب عليك الحنين فتنظر إليها وقد هاج الشوق في قلبك فتتذكر قول الأسوة في حبه وحنينه وهو ينظر نظرات الوداع لمكة ويقول: (إنك لأحب بلاد الله إليّ).

فرحة ترتسم على شفتيك حين تذكر حفل تكريمك بالمركز الأول في مسجد الحيّ، تتذكر حين تسلمت الجائزة. كانت الدنيا قد حيزت لك حينها. يلتقطون لك الصور فتعود متلهفا لأمك لتُهديها (شهادة التقدير) التي منحوك إياها.. كانت الجائزة بسيطة جدًا (شهادة تقدير) لكنها كانت أشهى إلى قلبك من جائزة نوبل. لم تكن بالطبع تعرف (نوبل) ولا جائزته. قد كانت جنتك تنتهي عند بسمة أمك وضمك إلي صدرها فرحًا بشهادتك وفخرًا.

ينفجر في صدرك هذا الألم الذي بكيت منه أياما طوالًا، وظننت وقتها أن السماء على الأرض قد أطبقت. كم رددت حينها قول الصديقة (يا ليتني مت قبل ذلك وكنت نسيا منسيا).. كم رجوت أن تنشق الأرض من تحت قدميك لتنتهي حياتك البائسة حينها. ها أنت ذا في خلوتك تتذكر ألمك فتبتسم له وتطرب لنقائك في تجاربك الأولى. كم كنت ساذجًا ونقيا .. وكم كانت تلك الأشياء البسيطة – العظيمة في وقتها – هي غاية المنى قبل أن تُغَيّر الدنيا قيمة الأشياء في عينك.. تتبسم حين تذكر ألمك الماضي، وما أجمل بسمتك حين تَذَكُر ألمًا بعد رحيله.

( 2 )
الروح تفرح وتتألم كما يفرح الجسدٌ ويتألم بالتمام. قد يستيقظ الإنسانٌ وقد أطبقت عليه الذكرى بوَجِد وأسى، فيسوء حاله وتُنكأ فيه الجُروح وتَهمد روحه وكأن حتفه قد أحاط به. لم يُصاب في مالٍ ولا ولدٍ وإنما ذكرى جُرح قد نُكأ في روحه. وجروح الروح غير جروح البدن، جروح البدن لا تؤلم حين نَكأها بعد اندمالها، أما الروح فلا تعرف جروحها إذا نُكأت إلا الهياج.

تتوارى الذكريات.. تتراجع لبعض الوقت، تُتناسى وتختفي حتى يُظن أنها تلاشت. ثم تُصادف حبيبًا أو خليلًا أو مشهدًا يبعثها من مرقدها. وحين تُبعث الذكرى من مرقدها تردد في جنبات نفسك قول الشاعر:

ارجع زمان الأمس من صفحاتي ..
ما أجمل الأيام بعد فوات 

ذكرى يعود إلى الفؤاد حنينها ..
دوماً إذا ذاق الفؤاد آهات 

زمن تولى من ربيع حياتنا ..
في ظله ما أجمل الاوقات

( 3 )
ليس في الذكريات الصادقة إمكانًا للمحو التام، محفورةٌ هي الذكرات في الذاكرة الخفية، الذاكرة الحقيقة. محفورةٌ ولو غابت عامًا أو أثنين أو عشرين. فقط تحتاج (لمن) أو (لِما) يستحثها ويستخرجها من مكمنها. ذكرى بسمة تُهيج في بسمة طفل تراها. ذكرى نجاح تتذكر بها إخفاقك الأول. تلاوة للقرآن تتذكر بها تتعتعك السابقة. جوع وتعب ونصب وسهر وهم لم يفارقك يلوح أمام عينيك ذكراه وقد أصبحت في حال حَسَن ورزق وفيّر وقد تلاشى ما أهمك برحمة الرحمن الرحيم.

ألم وندم يتقاطر حين يمر ببالك ما قد كان من ذكرى سوء قد صدرت منك فتأسف لما قد كان وتود لو أنك أحسنت من جديد، فتستأنف بقية عمرك بالإحسان. آسى تتقاطر ذكراه أمام عينك حين تلوح إساءتهم مع إحسانك.. تتبسم وقد رضي قلبك بعدما أبدلك الله ما أزاح الإساءة وأحسن إليك فوق الإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! حنان أمك ودفء دمها وهو يسري في بدنك تهيج ذكراه حين ترى أمًّا تحتضن ولدها وقد أوقفته على قدميه بعدما تعثر في حجارة لم ينتبه إليها في طريقه.

ذكرى حُبٍ دفين تهيج مع حب خديج في طور النشأة يتكون فيُهدي بمشاعره العالم مرسومًا بين يديك في لوحةٍ غناء ليست ألوانها غريبة عن قلبك. شوق ولوعة وحنين تطل ذكراها بعد وصلك وقربك ورَغَدِك فتحمد الله أن حفظ عليك دفء الذكرى ومَن عليك بنيل بغيتك وأغناك من واسع فضله. صور من الوفاء والبذل والصدق والحب تتقافز أمام عينيك وأنت تتذكر حبيبك أو خليلك وتنظر في ملامح وجهه وقد رسمته في مخيلتك أجمل من القمر.

كم تذاكرنا زمانًا كنا فيه سعداء .. بكتاب الله نتلوه صباحا ومساء. أحسن أبا معاذ سلمان العودة حين سمى أقاصيص طفولته وشبابه (طفولة قلب: دون التذكر وفوق النسيان).. لأن الحياة مشاهد، والمشاهد تُحال إلي ذكرى. ذكرى لا تُنسى ولو توارت. لا تُمحى من الذاكرة وإن غابت تفاصيلها. وإن كانت دون التذكر فهي فوق النسيان. تُحفر الذكرى في الفؤاد كما يُحفر فيه الحنان والحب والود واللهفة والوصل والإيمان. مستعصية الذكرى على النسيان وإن غابت في أخاديد الزمان.

وعلى الإنسان أن يحافظ على حاضره نقيا ليسعد به حين يصير ذكرى في مستقبله، وأن يستصحب ذكراه ليرسم مستقبله .. لا يستصحبها للتوقف والألم.. إنما يستصحبها لأنها جزء منه، من كينونته، ومستقبله محفوف بها ومرسوم بملامح ذكراه ..

(في السجن، لابدَّ للإنسان من اجتياز صعب للغاية. فبعد سنوات من العزلة والحرمان، وحده الإنسان ذو الروح القوية يمكنه أن يخرج من دون علامات الوَهَن وفقدان العزيمة، وهذه إشارة إلي أن حياته الجوانيّة، لم تكن مُملَّةً، رغم كل الشدائد والمِحَن) .. بيجوفيتش – هروبي إلي الحرية

وكذلك الذكريات ..

9 مايو 2017

11٬575 تعليق

محمد فتوح ٠٠ [إنسان] من الأسكندرية.
نقش بالحروف، بمنأى عن الصخب..

Instagram

Invalid username or token.